عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
402
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ » في الاستثناء وجهان : أحدهما : أنّه منقطع ، قاله ابن عطيّة ، والحوفي . والثاني : أنه [ استثناء ] « 1 » متّصل . قال أبو البقاء « 2 » : « ما » في موضع نصب على الاستثناء من الجنس من طريق المعنى ؛ لأنه وبّخهم بترك الأكل ممّا سمّي عليه ، وذلك يتضمّن الإباحة مطلقا . قال شهاب الدّين « 3 » : الأوّل أوضح والاتّصال قلق المعنى ، ثم قال : « وقوله : « وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ » أي : في حال الاختيار ، وذلك حلال حال الاضطرار » . قوله : « وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ » قرأ الكوفيّون « 4 » بضمّ الياء ، وكذا الّتي في يونس : رَبَّنا لِيُضِلُّوا [ الآية : 88 ] والباقون : بالفتح ، وسيأتي لذلك نظائر في إبراهيم وغيرها ، والقراءتان واضحتان ؛ فإنه يقال : ضلّ في نفسه ، وأضلّ غيره ، فالمفعول محذوف على قراءة الكوفيين ، وهي أبلغ في الذّمّ ، فإنها تتضّمن قبح فعلهم ، حيث ضلوا في أنفسهم ، وأضلّوا غيرهم ؛ كقوله - تعالى - : وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 77 ] . قيل المراد به : عمرو بن لحيّ فمن دونه من المشركين الّذين اتخذوا البحائر والسّوائب وقراءة الفتح لا تحوج إلى حذف ، فرجّحها بعضهم بهذا وأيضا : فإنهم أجمعوا على الفتح في « ص » عند قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ 26 ] . وقوله : « بأهوائهم » متعلّق ب « يضلّون » والباء سببيّة ، أي : بسبب اتّباعهم أهواءهم ، وشهواتهم . وقوله : « بِغَيْرِ عِلْمٍ » متعلّق بمحذوف ، لأنّه حال ، أي : يضلّون مصاحبين للجهل ، أي : ملتبسين بغير علم . فصل في المراد بالآية قيل : المراد : عمرو بن لحيّ كما تقدّم ؛ لأنّه أول من غير دين إسماعيل . وقال الزّجّاج « 5 » : المراد منه الّذين يحلّلون الميتة ، ويناظرونكم في إحلالها ، ويحتجون عليها بقولهم لما أحلّ ما تذبحونه أنتم ، فبأن يحلّ ما يذبحه اللّه أولى ، وكذلك كل ما يضلّون فيه من عبادة الأوثان ، والطّعن في نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم وإنما يتّبعون فيه الهوى
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 259 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 168 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 168 ، المحرر الوجيز 2 / 339 . ( 5 ) ينظر : معاني القرآن 13 / 136 .